مرتضى الزبيدي

314

تاج العروس

به الصاغَانيُّ ، ونقَلَ فيها الفتْحَ والضَّمَّ ، وقال لُغَتَانِ في الوِسَادَةِ ، بالكسر ، وُسُدٌ بضمّتين ، وبضمّ فسكون ، هكذا ضُبِط بالوَجْهَيْنِ ، ووَسائِدُ ، وزاد صاحِبُ المصباح ووِسَادَات ، قد تَوَسَّدَ ، ووَسَّدَه إِياهُ تَوْسِيداً فتَوَسَّدَ ، إِذا جَعَلَه تَحْتَ رأْسِه ، قال أَبو ذُؤّيْبٍ الهُذَلِيُّ : فَكُنْتُ ذَنُوبَ البِئْرِ لَمَّا تَوَشَّلَت * وسُرْبِلْتُ أَكْفَانِي وَوُسِّدْتُ سَاعِدِي وأَوْسَدَ في السَّيْرِ : أَغَذَّ ، بالغَيْن والذال المعجمَتين ، أَي أَسْرَعَ . أَوْسَدَ الكَلْبَ : أَغْراهُ بالصَّيْدِ ، كآسَدَه ، وقد تقدَّم . ووِسَادَةُ ، بالكسر : بطرِيقِ المَدِينَة ، على ساكِنها أَفضلُ الصلاةِ والسلام ، مِن الشَّامِ في آخرِ جِبَال حَوْرَانَ ما بَينَ يرقع وقُراقِر ، مات به الفقيهُ يُوسفُ بن مَكِّيّ بن يُوسُف الحارثيّ الشافعيّ أَبو الحَجَّاج إِمام جامِع دِمَشق الدّمشقيّ ، وكان سمع أَبا طالبٍ الزَّيْنَبِيّ غَيْرَه ، وكانَتْ وفاتُه بهذا الموضِع راجِعاً من الحَجِّ سنة 555 قاله ابنُ عساكِر . وذاتُ الوَسائِد : بأَرْضِ نَجْدٍ في بلاد تَمِيم ، قال مُتَمِّمُ بنُ نُوَيْرَةَ : أَلَمْ تَرَ أَنِّي بَعْدَ قَيْسٍ ومَالِك * وأَرْقَمَ غُيَّاظِ الذينِ أَكَايدُ ( 1 ) وعَمْراً بِوَادِي مَنْعِجٍ إِذْ أُجِنُّه * ولَمْ أَنْسَ قَبْراً عِنْد ذاتِ الوَسَائِدِ في الحديث قولُه صلى اللهُ عَليه وسلَّمَ لِعَدِيّ بن حاتِم إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ ، وهو من كِنَاياتِه البَلِيغَةِ صلى اللهُ عَليه وسلَّمَ ، قال ابنُ الأَثير : كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ النَّوْمِ وهو مَظِنَّتُه ، لأَنَّ مَنْ عَرَّضَ وِسَادَه ( 2 ) ووَثَّرَه طابَ نَوْمُه وطَالَ ، أَراد إِن نَوْمَكَ إِذاً لَكَيِيرٌ . أَوْ كِنَايَةٌ عَنْ عِرَضِ قَفَاهُ وعِظَمِ رَأْسِهِ ، وذلك دِلِيلُ الغَبَاوَةِ ، أَلاَ تَرَى إِلى قَول طَرفَةَ : أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الذِي تَعْرِفُونَه * خَشَاشٌ كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ وتَشْهَد له الرِّوايةُ الُخْرَى قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ ، ما الخَيْطُ الأَبْيَضُ من الخَيْطِ الأَسْوَدِ ، أَهما الخَيْطانِ ؟ قال : إِنك لَعَرِيضُ القَفَا إِن أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ وقيل : أَراد أَن من تَوَسَّدَ الخَيْطينِ المَكْنِيّ بهما عن الليلِ والنهارِ لَعرِيضُ الوِسَادِ . كذلك قولُه صلى اللهُ عَليه وسلَّمَ في شُرَيْح الحَضْرَمِيِّ في خَبَرٍ مُرْسَل ذُكرَ عند النبيِّ صلى اللهُ عَليه وسلَّمَ فقال ذَاكَ رَجُلٌ لا يَتَوَسَّدُ القُرْآنَ ، قال ابنُ الأَعْرَابيّ يَحْتَمِلُ كَوْنَه مَدْحاً ، أِي لا يَمْتَهِنُه ولا يَطْرَحُه ، بل يُجِلّهُ ويُعَظِّمُه ، أَي لا يَنَامُ عنه ولكن ( 3 ) يَتَهَجَّد به ، ولا يكون القُرآنُ مُتَوسَّداً معه ، بل هو يُدَاوِمُ قِرَاءَتَه ويُحَافِظ عليها لا كَمَنَ يَتَهَاوَنُ به ويُخِلّ بالوَاجِبِ مِن تِلاوَتِه . وضَرَبَ تَوسُّدَهُ مَثلاً للجمْعِ بينَ امْتِهَانِه والاطِّرَاح له ونِسْيَانِه ، يَحتَمِل كونَه ذَمًّا ، أِي لا يُكِبُّ علَى تِلاَوَتِه ، وإِذا نامَ لم يَكُنْ مَعه من القرآن شيءٌ مثل إِكْبَاب النائمِ عَلَى وِسَادِه ، فإِن كان حَمِدَهُ فالمَعْنى هو الأَوَّل ، وإِن كان ذَمَّه فالمعْنَى هو الآخِر ، قال أَبو منصور : وأَشْبهُهُما أَنه أَثْنَى عليه وحَمِدَه ، وقد رُوِيَ في حديث آخَر مَنْ قَرَأَ ثَلاَثَ آيَات ( 4 ) من القُرآنِ لم يَكُنْ ( 5 ) مُتَوَسِّداً لِلْقُرْآنِ . ومِنْ الأَوَّلِ قولُه صلى اللهُ عَليه وسلَّمَ في حديثٍ آخَر لاَ تَوَسَّدُوا القُرْآنَ واتْلُوه حَقَّ تِلاَوَتِه ولاَ تَسْتَعْجِلُوا ثَوَابَهُ ، فإِنَّ لَهُ ثَوَاباً . ومن الثاني ما يُرْوَى أَنَّ رُجُلاً قال لأَبي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه : إِنّي أُرِيد أَن أَطْلُبَ العِلْمَ فأَخْشَى ، وفي بعض النسخ ، بالواو ( 6 ) ، أَنْ أُضَيِّعَه . فقال : لأَنْ تتَوَسَّدَ العِلْمَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَوسَّدَ الجَهْلَ يقال : تَوَسَّدَ فُلانٌ ذِرَاعَه ، إِذا نَامَ عليه وجَعلَه كالوِسَادَة له ، وقال الليث : يقال : وَسَّدَ فُلانٌ فلاناً وسَادَةً ، وتَوَسَّدَ وِسَادَةً ، إِذا وَضَعَ رَأْسَه عليها ، وقد أَطالَ شُرَّاحُ البخاريّ في شَرْحِ الحَديثينِ ، ولَخَّصَه ابنُ الأَثير في النِّهَاية ، قال شيخُنَا : وما كان من الأَلفاظ والتَّراكِيب مُحْتَمِلاً كهذا التركيبِ يُسَمَّى مثلُه عند أَهل البديع الإيهامَ والتَّوْرِيَةَ والمُوَارَبَةَ ، أَي المُخَاتَلَةَ كما في مُصَنَّفَاتِ البديع .

--> ( 1 ) في معجم البلدان : وأرقم غياظ الذين أكايد ( 2 ) هذا ضبط القاموس ، وضبطت العبارة في التكملة : لأن من عرض وساده ووثره . . وفي اللسان ( وثر ) : وثر الشيء وثرا ووثره : وطأه . ( 3 ) في النهاية : " ولم يتهجد . . . فيكون القرآن " والشارح خلط في نقله بين عبارتي النهاية والتكملة . ( 4 ) في النهاية واللسان والتكملة زيد : " في ليلة " وسقطت فيها : " من القرآن " . ( 5 ) في التكملة : لم يبت . ( 6 ) وهي عبارة النهاية واللسان ، وبالفاء عبارة التكملة .